نخبة من الأكاديميين
609
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
كحافظٍ للعلم اليوناني ، ولتجاهل أو إنكار إسهاماته الخاصّة . وقد استفاد هذا المَيْل من واقع أنّ جزءاً صغيراً فقط من النصوص الرياضيّة الموضوعة بالعربية كان معروفاً آنذاك في أوروبا ، ومن أنّ هذا الجزء لم يكن بالضرورة ، الأفضل تمثيلًا للرياضيّات العربية . وهكذا أكّد بيار دوهام ( Pierre Duhem ) ( 1861 - 1916 م ) في مؤلّفه الضخم " نظام العالم " ( Le systeme du monde ) أنّ : " العِلم العربي لم يفعل شيئاً سوى إعادة إنتاج التعاليم التي حصل عليها من العلم اليوناني " « 1 » ، وقد بقي هذا الرأي حتى منتصف القرن العشرين ، منتشراً بشكل واسع للغاية في أوساط مؤرِّخي العلوم . وحتّى الجبر نفسه لم ينجُ من هذه المراجعة ، وذلك بالرغم من أنّ أعمال عالم مثل وبكيه عرّفت أوروبا على مؤلّفات الخيّام ( 1851 م ) والكَرَجي ( 1853 م ) في الجبر . هذه الأعمال ذات المستوى العلمي الرفيع بقيت محصورة في حلقة ضيقة من المستشرقين . وإضافة إلى التأثيرات الأيديولوجية السائدة ، دفع الجهل بالنصوص العلميّة العربيّة ، مؤرّخي العلوم إلى إعطاء تأكيدات قاطعة حول عدم أهميّة الإسهامات العلميّة العربيّة . من هذه التصريحات نذكر قول كارّا دو فو ( Carra de Vaux ) التالي : " لا يمكن لأحد أن يشكّ ، على ما أعتقد ، بأنّ أصل الجبر يونانيّ " ، وأيضاً قول تانِّري ( Tannery ) : " إنّ الجبر العربي لا يعلو قطعاً فوق المستوى الذي وصل إليه ديوفنطس Diophante ) " ) ) « 2 » . لذلك ، ومن أجل تأكيد هذا الرأي غير المدعّم بالبحث ، تفنّن المؤرخون في التفتيش عن أصول يونانية وبابلية وغيرها للجبر . ولم يقرّوا للعلم العربي سوى بأهداف تطبيقية وحسابية بشكل أساسي ، مرتبطة بشكل وثيق بالمجتمع الإسلامي الذي تطلّب تطوّر هذه الاتجاهات ، ومنها حسابات الإرث ، وتحديد القبلة أي اتجاه مكّة . . . إلخ . وأخذ هؤلاء المؤرِّخون على العِلم العربيّ غياب الدقّة ، والنقص في الأصالة ، والخضوع لسلطة العلماء القدامى أيّ التسليم بما يقدّمه هؤلاء دون مناقشة أو تجديد . وقد أعمت هذه المواقف المسبقة حتّى مستشرقاً ومؤرِّخاً للعلوم مثل كارّا دو فو ، كان قد ترجم في نهاية القرن التاسع عشر عدداً من النصوص العلمية العربيّة . فقد وصل الأمر به إلى أن يكتب ، في مقدِّمة ترجمته لنص أساسيّ لنصير الين الطوسي ، من القرن الثالث عشر : " قد يكون هذا الفَصْل الذي نقدّم ترجمته فيما يلي ، كافياً لكي نشعر بالضعف والابتذال اللذَين كان العِلمَ الإسلاميّ يُعاني منهما ، عندما كان يحاول أن يكون أصيلًا " « 3 » . فتحت تأثير المواقف المُسبقة ، لم يستطع هذا المؤرّخ أن يرى أنّ نصّ الطوسي هذا ، زعزع أسسَ علم الفلك في العصر الوسيط ؛ فقد بيّن فيه الطوسي أنّ تركيباً لحركتين دائرتين منتظمتين قد ينتج عنه حركة مستقيمة ، وذلك في مبرهنة نسمّيها الآن " ثنائيّة الطوسي " . هذه المبرهنة الفذّة تُبطِلُ أحد التباينات الأساسية في فيزياء أرسطو ، أي التباين بين عالم تحت - قمري وعالم فوق - قمري هو ، نظرياً ، خاضع فقط للحركات الدائرية المنتظمة والأبديّة . ولئن كانت التأثيرات المُضَلِّلة لهذه الأيديولوجية ما زالت تظهر أحياناً في الوقت الحاضر ، إلّا أنّ أعمالًا في تاريخ العلوم ، وترجمات حديثة بدّلت هذه النظرة العنصريّة عن العلم العربي ؛ فقد جعلتنا ندرك أن العالم المحيط بالبحر المتوسط ، بالمعنى الواسع للكلمة ، كان منذ العصور القديمة حتى القرن السابع
--> ( 1 ) راجع P . Duhem , Le systeme du monde , histoire des idees cosmologiques de Platon a Copernic , 10 vol . , Hermann , Paris 1913 - 1959 , vol . II , p . 125 . ( 2 ) راجع P . Tannery , La geometrie grecque , p . 6 . ( 3 ) راجع Carra de Vaux , « Les spheres celestes selon Nasir Eddin Attusi » , Journal asiatique , 1891 .